الأثر الذي لا يموت


 

اليوم، تمر ١٤ سنة على رحيل أمي، السيدة الكريمة، والمربّية الفاضلة والصبورة؛ أقف هنا، أمام (دارها) التي هدهدت فيها سنوات طفولتنا الأولى ورعت فيها مَربَع صبانا؛ وارثيها ببضع كلماتٍ لا توفّيها حقها، لكنها محاولة أدرّب فيها نفسي على تجاوز الحزن، والكتابة عنها كما أحكيها لمن حولي.

رحلت أمي في نهاية الثلاثينات، في أبهى وأزهى سنوات عمرها، وهذا ماكان يجعلها بالنسبة لي أكثر من أم، هي رفيقة و صديقة وصاحبة كانت تشاركنا كل تفاصيل حياتنا؛ وعلى رغم أُمّيتها ونشأتها البدوية، إلا أنها امتلكت معرفة وخبرة في أدق الأمور وأصعبها، ولا يمكنني التحديد .. لأنها فعلًا كانت مبهرة في كل شيء.


امتلأ قلبها بالمحبة لكل الناس، وصنعت لنا -أبناءها- أساسًا وبناءًا متينًا من الأثر الطيب، بين كل من عرفوها أو سمعوا بها، فلا أكاد ألتقي بشخص عرف أمي إلا وأخذ يعدّد لي مواقفها واحسانها معه، حتى ولو بكلمة . . قد يظنها البعض مواساة، لكنها تأخذني لأبعد من ذلك بكثير، فأنا عرفت أمي ومع كل حكاية تروى لي، عرفت أن دفئها لم يقتصر على أسرتها الصغيرة، بل ظلّ يمد خيوطه لمن تعرف ولا تعرف.


أقف واتأمل غرفتها البسيطة، الغرفة التي كما جرت العادة عندنا، تخلّت عنها لأخي الكبير يوم زواجه، لذا صُبغت جدرانها بألف طلاءٍ غير الذي كان يخص أمي، و فرشت أرضيتها بألف (مشمّع) غير الذي اختارته أمي لها، لكنها بشكلٍ ما .. احتفظت برائحتها، رائحة أمي الأصيلة. جلست أمام النافذة التي كانت تتكئ عليها لتنادي أي أحد من إخوتي، وفي الجانب الآخر قد تلمحها واحدة من نساء القرية مطلّةً برأسها، فتبدأ الحديث معها بطريقةٍ تحسب أنه آخر حديثٍ بينهن، لشدة الحماس والضحكات التي تتخلّله، وربما تكرّر هذا الأمر مع ذات المرأة وفي اليوم نفسه، وأتذكر أنها علّلت ذلك بأنها تخجل أن تغلق النافذة في وجه أي أحد، وأنا أقول لأنها أحسنت الإصغاء لهنّ، تسمعهن بأُذنٍ محبّة، وقلبٍ فَطِن، لذا كان من الصعب عليهن تجاهلها.


عشت مع أمي حياةً زاهية، ممتلئةً بالحب، واستمر هذا حتى آخر يومٍ جمعني بها، وعلى أنها ربّتنا تربيةً صارمةً وتقليديةً نوعًا ما، إلا أنها لم تبخل علينا يومًا برقّة مشاعرها ودفء أحضانها، فأنا حتى يوم رحيلها لم أعرف معنى الخوف .. ولا كيف يكون الإنسان بلا سندٍ أو جدارٍ يحجب عنه ما يؤذيه، فأمي منحتني أمانًا مختلفًا، لم أجده في أي مخلوقٍ بعدها مهما حاولت.


أظلّ ممتنةً لأمي الحبيبة على كل ماقدمته لنا، ولكل الفضائل التي زرعتها في نفوسنا، فأنا مازلت أتبع خطواتها وأتذكر وصاياها، ولا أتمنى إلا أن أكون واخوتي أثرها الطيّب على الأرض، ولا أرى في نفسي إلا محاولاتٍ مستمرة لأكون نسخةً تشبه أقلّ القليل مما كانت عليه أمي.


اللهم إني أشهدك بأنها أحسنت تربيتنا ورفقتنا، فأحسن إليها واجمعنا بها في جنات النعيم، مجمعًا ينسينا كل مُرٍ تذوقناه بعدها .. طيب اللقاء و طيب الجزاء، أنت أهل الوفاء والحمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة