أنسى أن أموت .. قصة قصيرة

 




«تمتصني أمواجُ هذا الليل في شرهٍ صموت

وتعيد ما بدأت.. وتنوي أن تفوت ولا تفوت

فتثير أوجاعي وترغمني على وجعِ السكوت

وتقول لي مُت! أيها الذاوي فأنسى أن أموت»


كل ليلة، ومنذ ثلاثةِ أعوام، أحتضنُ مرفقي متكئةً على نافذتي، لأتأمل حال مدينتي العامرة بالخراب ورائحةِ البارود؛ ذلك الخراب الذي لا تخمد نيرانه حتى وإن أسدلت الشمس خيوطها الذهبية على البيوتِ والشوارع معلنةً انتهاء "حفلة" اليوم. المَحالُ التجارية البسيطة تُغلق أبوابها عند التاسعة، في حين تفرغ الشوارع تمامًا عند السادسة، إلا من القططِ المذعورة من أصوات الكلاب في الشوارعِ المجاورة. ويفرض الأهالي حظرًا للتجوالِ على أطفالهم عند الخامسة والنصف؛ فكما تقول أساطيرهم التي يتداولونها لإرهاب صغارهم: "ما من طفلٍ يبقى خارج منزله بعد الخامسة والنصف إلا ويكون عرضةً للاختطاف من قبل الجن ليتخذوه ولدًا لهم". الأمر مضحك، لكنهم يصدقون.


إنها العاشرة.. الشوارع أصبحت خاوية تمامًا، حتى القطط والكلاب هربت لمخابئها؛ ربّما فرارًا من رائحة الموت التي تتجول ليلاً لتصطاد أرواح المتجولين في الصباح. أغمضتُ عيناي وتركتُ قلبي يتجول في أزقةِ حارتنا النائمة، الفقيرة، الباردة، والمنسية.


سمعتُ يومًا والدي يصرخ مستهزئًا بعد أن أخبره أخي أن العمال المكلفين بإصلاح أنابيب المياه ربما يأتون غدًا ليعيدوا لنا المياه بعد انقطاعٍ دام أشهرًا طويلة، صرخ أبي حينها: "من الذي سيتكبد عناء المجيء إلى هذا الحي المليء بالعفن ليصلح المياه لأشخاصٍ لا يشكل موتهم عطشًا أو جوعًا أي فرقٍ في حساباتهم؟ إنهم يريدون الخلاص منا يا بني.. نحن فقراء، لذا لا نشكل أي أهمية في حياة هؤلاء المترفين.. نحن منسيون.. نحن منسيون". وذوى صوته بعيدًا وهو يهمهم بكآبة: "من نحن؟.. نحن منسيون".


تجولتُ بقلبي في الشارع الأول الذي يضم مخبزًا مقفلاً منذ عامٍ ونصف، كُتب على بابه بطلاء جدرانٍ أحمر: "الحرب قتلتنا". وفي زاوية الشارع بقالةٌ صغيرة تربطني بها ذكرياتٌ كثيرة منذ طفولتي، يجاورها مكتبٌ للعقارات؛ كلما رأيته تذكرتُ كلام أبي عن حارتنا المنسية، فمن الذي قد يرغب بشراء منزلٍ هنا؟ الأمر قد يبدو مضحكًا حد الموت.


قبل سنتين، حين اشتدت الحرب في بعض المدن المجاورة، استقبل حينا الفقير عددًا من النازحين. كان الأمر غريبًا ومضحكًا في آن، فمنذ سنواتٍ طويلة لم نعتد رؤية غريبٍ يتجول في شوارعنا عدا عمال البلدية؛ يأتون لإلقاء نظرةٍ على أنابيب المياه والمجاري، يدونون ملاحظاتهم ويمضون بعد أن يتوعدوا بحل المشاكل خلال أسبوع.. مضت الأسابيع، وتبعتها السنوات، وما زالت المياه مقطوعة، والمجاري طافحة في كل شارع.


في "عام النازحين" استقبلنا في منزلنا نازحةً تحمل طفلةً بين يديها. طلبت منها أمي أن تخلع نقابها، لكن طلب أمي قوبل بالرفض، معللةً ذلك بأن شظيةً أصابت وجهها وتسببت في تشويهه. أصابني الفضول، فاختلستُ ليلةً من فراشي وتسللتُ إلى غرفتها. اقتربتُ منها وبدأت أتأمل وجهها الذي خططته الشظية بخطوطٍ عمودية مع بقعةٍ كبيرة في المنتصف. لم أخف! لكن شظيةً ما خرجت من ملامحها ومزقت قلبي. أعلم تمامًا أن الحرب قد قتلتها، لكنها.. نسيت أن تموت.


«لكن في صدري دجى الموتى وأحزان البيوت

ونشيج أيتامٍ بلا مأوى.. بلا ماء وقوت»


خرجتُ يومًا برفقةِ أخي لتعبئة المياه. وقفتُ بعيدًا أتأمل منظر المتهافتين على سيارة المياه، يعودون لمنازلهم محملين بالماء.. حتى لو كانت مجرد قطراتٍ بللت ملابسهم. رأيت طفلةً تخرج من وسط الزحام، تجر بيديها جالونًا مليئًا بالمياه. ركضتُ لمساعدتها، وحين رفعت وجهها عرفتها! إنها خديجة، صديقتي في المدرسة.


يا الله! مضت ثلاثة أعوام منذ آخر مرةٍ رأيتُ فيها وجهها البريء، فبسبب الحرب لم نتمكن من العودة للمقاعد الدراسية. سألتها عن أحوالها، فأخبرتني أن والدها توفي في إحدى الغارات، لكن جيرانهم يقولون إنه قُتل في إحدى جبهات القتال. خديجة، صديقتي الصغيرة، بقيت وحيدة مع أمها وثلاثة أطفال صغار، بالكاد يجدون قوت يومهم. تخرج أمها في الصباح لخدمة المنازل في الأحياء المجاورة (غسيل سجاد وأغطية)، وتقوم خديجة بدورها في جلب المياه، ثم يعودون جميعاً للتسول في شوارع المدينة العامة.


حملنا الجالون سويةً، وبدت خديجة تشع نشاطًا وهي تروي لي حكاياتها مع التسول ومغامراتها التي تراها مسلية وأراها مؤلمة. قالت بضحكة: "في إحدى المرات ذهبت للتسول مع إخوتي بجانب محلات الصرافة، فما إن خرج رجل حتى ركضت نحوه أطلب مالاً للخبز، فأعطاني. ثم ركض أخي خلفه وطلب منه، فأعطاه. ثم لحق به أخي الثالث واستجداه، فالتفت الرجل ورآنا جميعًا وضحك قائلًا: كلكم ستبتاعون الخبز الليلة؟ أنتم محتالون!".


كانت تضحك بصوتٍ عالٍ وهي تصف حيرة الرجل، ضحكتُ معها، لكني تمنيت في سري لو تحظى بحياةٍ كريمة بعيدًا عن هذا العناء. إنها طفلة.. أصغر من أن تحمل كل هذه المسؤولية. استمرت في الضحك حتى وصلنا منزلها، ثم تنهدت وقالت وهي ترمقني بنظرة عميقة: "وصلنا للنهاية.. أتمنى أن تجمعنا صدفة أخرى، ربما نلتقي في شارع ما وأركض وراءكِ لتعطيني مالًا لأشتري الخبز".


مضيتُ بقلبٍ مثقل؛ خديجة بقيت في روحي طفلةً شقية مليئة بالحياة، كيف لكل هذا الألم أن يسكن قلبها الصغير؟ تمنيت لو أهبها روحي لتجد الحياة التي تليق بها، لكن روحي يا صديقتي ممزقة؛ كنت أهبها لكل طفلٍ مشرد، لكل يتيم، لكل أمٍ خدد الدمع وجهها، ولكل فقير قرصه الجوع والبرد.. لكن الجميع في مدينتي ينسون دائمًا أن يموتوا، ونسيتُ أنا أيضًا مع تبعثر روحي.. أن أموت.

«من ذا هُنا غير ازدحامِ الطين يهمسُ أو يصوت

غير الفراغ المنحني.. يذوي.. يصرُّ على الثبوت»


حينا البارد الفقير، صغيرٌ جدًا لكنه كبيرٌ في قلبي؛ كبرتُ وأنا أتجول في شوارعه، أتأمل تزاحم البيوت القديمة وكأنها تقف سدًا منيعًا أمام زحف العصر الحديث. هذه البيوت الطينية المثقبة برصاصات الحرب الطائشة تختفي في الليل مثل أصحابها، فلا تسمع إلا فحيح الرياح وهي تخترق صمت جدرانها، لكنها تعود في الصباح شامخةً أمام الشمس، كأنما تنسى في كل ليلةٍ أن تموت.


أُطفئت آخر إنارةٍ في الشارع، ولم أعد أرى إلا ضوءًا خافتًا ينعكس من الحي المجاور على سماء حينا المنسي؛ عدتُ إلى فراشي، أطفأت الفانوس المعلق، وتأملت سقف الغرفةِ متسائلة: ما معنى أن ينسى المرء أن يموت؟

«وحدي ألوكُ صدى الرياح

وأرتدي عُريّ الخبوت»

تعليقات

المشاركات الشائعة