نعناعة



 وصلتني أمس باقة زاهية من الريحان والنعناع الشبواني، من أرضي الطيّبة .. ملفوفة بعناية ومثبّت بها قطعة من باكت بسكوت أبو ولد كتب فيها بخط يدٍ خجولة: "إلى سرّورة من جدتش حليمة." ابتسمت وأنا أتخيل رحلة هذا الباكت وكيف أن صانعه لم يتخيّل أن قطعةً منه ستستخدم في غير محلّها، وتستحلّ في قلبي هذه المكانة.


قُطفت أغصان النعناع مخصوصةً لي، ولا أجد أي كلمة تعبّر عن مدى دهشتي وخجلي أمام هذه المحبة التي أجدها من أهل قريتي، فأنا مقصّرة وعلى رغم أني أُوصف بالإجتماعية إلا أني خارج التجمعات والمحافل أجدني شخصية منغلقة على نفسي وهادئة ولا أبادر إلا في المناسبات الأسرية والأعياد، مع ذلك أُلقيت محبّتي في قلوبهم للدرجة الكافية التي تجعلهم يتذكّروني "كلما قابلوا مَطيرَة النعناع" كما تقول جدتي حليمة أو كلما راقصت الرياح أعواد الريحان.


وهذه لحظة صفاء تجعلني اتأمل في واحد من أسمى معاني المحبة العذبة، أن تُحَبّ بلا شروط، لأنك أنت، لا يلزم أن تكون حاضرًا ملء العين، ولا أن تكون واصلًا لكل الطرق المقطوعة، ولا أن تكون باذلًا معطاءًا، يكفي أن تكون أنت؛ وأن تكون مقبولًا كما أنت، والقبول هبة خالصة من الله، لا يمكنك نيلها إلا بصدقك وصفاء سريرتك، ولا أزكي نفسي.


ولو صفى لك كدر الحياة وهي قلّما تصفو،

 ونلت هذه المحبة في قلبِ أحدهم، ولو كان قلبًا واحد لا قلوب، فـ حُرّي بك أن تطمئن وتسمو روحك في ملكوت الرضا.


مَطِيرَة النعناع: القطعة من الأرض التي يزرع فيها، وقد تقسّم الأرض الكبيرة لعدّة مَطَير، وكل واحدة منه تخصّص لنبتة معيّنة.

تعليقات

المشاركات الشائعة