عسى أن تسعنا الرحمة
منذ أن توفّت أمي وأنا أحتفظ بهذه التسجيلات ولم اتجرأ لو لمرة مشاهدتها، فـ بعد وفاتها اتلفنا كمية كبيرة من أشرطة الكاسيت التي تضم صوتها و اشتياقها لوالدي، في زمنٍ كانت فيه حيلة المشتاق أن يسجّل هذه الأشرطة، أتلفناها هربًا و خوفًا من الحنين، احتفظت ببعضها سرًا إلا أني لم امتلك الشجاعة الكافية للإستماع لها، ربما أستمع لها يومًا ما دون الإنهزام امام رقّة صوتها الذي أفتقده جدًا.
أعود لهذه التسجيلات اليوم بعد مرور ١٤ عامًا على غيابها، لتلملمني وتعيد لي بعضًا من روحي التي تشذّرت؛ وتحيي جزءًا في قلبي قد انطفأ . . بكيت أمي حتى تصدّع قلبي وتناثر في جوفي؛ بكيت ذلك القلب الحنون الذي لم يقوى يومًا على أذيّتي ولم يكن ليسمح لأحد أن يفعل؛ احتضنت صورتها وكم تمنّيت لو يفنى عمري كله مامضى منه وماهو قادم مقابل أن أعيش يومًا آخر معها، يومٌ واحد لا أكثر، أتذوّق فيه لذة الدفء مرةً أخرى، واستشعر معنى أن يكون المرء آمن، آمنًا حتى من نفسه.
لم أحمل في قلبي إلا المحبة، ولم أعطي منه لمن أذاني إلا الرحمة، أعطيت حتى نسيت نفسي . . ونسيت أن لي حقٌ من هذه المحبة، ومن لم يسعني منه الحب، انتظرت منه الرحمة، لكني تناثرت جزءًا جزءا حتى أصبحت عاجزةً الآن عن لملمت شتاتي لوحدي كما اعتدت؛ واحتجت أمي لتفعل، ولم أجد حيلةً إلا هذه المشاهد التي هربت منها سنواتٍ طويلة، شاهدت منها شريطًا لآخر يومٍ جمعنا بها، كانت فيه بأجمل وأسعد وأبهى حالاتها، تضحك وتمازح وكأنها كانت تريد أن تملأنا بجرعةٍ كبيرة من الحب، تكفينا أطول مدةٍ بعد غيابها.
روحٌ وريحان يا أمي وربٌ راضٍ غير غضبان.



تعليقات
إرسال تعليق